واحة الأدب
مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//
.
.

زهرة البرتقال

تمكنت أخيراً من التغلب على مساحةٍ من قطعة شريط الزمن المخصصة لحياتي ، اجتزأتها عنوةً قاصداً زيارة صديقٍ تربطني به صداقة حميمة تعضدها مودة وتساندها رغبة مزهرة في كلينا بمعاقرة الشعر والتفكر في عوالم الوجود ؛ لم يكن يباعدني عن زيارته خصام ولم يشاغلني عنه سلوان ؛ لكنني كنت أجد في الوصول إلى بيته ضيقاً يسوؤني لما كنت أتعثر به من نفايات متعفنةٍ كريهة الرائحة كانت ترمى في الزقاق القديم بلا حسيب ولا رقيب لتغير معالمه وتشكل عنصراً من عناصر "تكوينات" الصورة التي اعتاد أن يلتقطها السائحون من زوار تلك الحواري ونحن عن أمورنا غافلون ...

    حينما وصلت إلى ذلك المكان ؛ كنت قد استجمعت شجاعتي واستنفرت صبري مستغيثاً بمنديلٍ ورقيّ كنت أدّخره لوقت الشدة ...؛ كان ضوء القمر لحظتها ينسكب على الأرض المحجرة ليكشف ما عليها ، وكنت شديد الحرص على خطواتي التي راحت تتحسس مستقرّها الآمن ، وللحظة خاطفة خيل إليّ أنني تهت في سيري عن الطريق إذ لم أجد حيث المعتاد أي أثر مما يسيء ؛ لكنني سرعان ما أدركت أنّ أحد "النظيفين" قد تصدى لتخليص المكان مما يشينه وينفّر العابرين بل والماكثين قي " لا مبالاتهم" الصدئة . رفعت المنديل عن متنفّسي مطمئنّاً فانجدل الضوء برائحةٍ شذية منعشةٍ كانت تملأ المكان أدخلتني في شباكها فعبرَت شِغافَ قلبي ساكبة في واحاته شلالاً من الحمد والشكر لخالق الجمال وباعث تذوقه المتبصر في نفوس بني آدم ...؛ رفعت رأسي قليلاً فوقع بصري على زهرة برتقال حملها إلينا غصن أطلّ على العابرين من فوق سور أحد البيوت ، كانت زهرة واحدة ليس غير، لكنها أثارت في نفسي الكثير من ألوان الطيف لما اختزنته من قدرة مذهلة على نثر روحها لإسعاد محبي الجمال ...؛ وبصعوبةٍ بالغة قاومت إرادتي في المكوث وزدت في سرعتي كي أتمكن من التحرر من إسار جاذبية ذلك الأريج الساحر للوصول بسلام إلى حيث مجلس من قصدت وكان قد حشد لي زمرة من أصدقاء الطفولة الذين انتشروا في مجالات الحياة ؛ فأخذ كلٌّ منهم يتحدث عن محيطه وعن مجال عمله شاكياً ما يراه أو يعانيه من سلبيات تناثرت أشواكها في الطرقات المتشابكة معيقة أو مستنزفة ...

     كادت أن تكون الشكوى قاسماً مشتركاً لولا ما أسعفنا به بعض "الفكهين" من فكاهات لم تخرج عن فعلها الرصين ولا عن نطاق الكياسة ؛ ولم تجاوز التأدب وحسن السياسة؛ لكنها لم تكن لتبتعد عن تقاسم  الهموم من شكاوى ليتها لا تدوم...؛ فهذا يشكو من سوء تعامل زملائه في العمل الذين انقسموا بين الغيرة والحسد وبين الحقد والنميمة وترويج ما فسد ؛ وذاك يشكو من لا مبالاة بمعايير ومن كتّاب التقارير والنمّامين عند المعلم وعند الأجير .... ، وثالث يعترف بأنه مغرم بالتهام كل ما يصادفه من مال لأنه طالما حلم بأن يصير من رجال الأعمال حتى ولو كلفه أن يطيح في سبيل ذلك برؤوسٍ وبيوتٍ وحقولٍ وآمال رغم ما  عرف عنه من تواكل وتآكلٍ وتقاعس وإهمال ...،وثمّة من راح يشكو بحرقةٍ تغييب القيم وفساد الذمم وغدر الجيران وهجر الخلان وغفلة الندمان وظلم من تقدّم بالإساءة مقابل الإحسان ...0 وهكذا راح كلّ واحد من الحاضرين يسترسل في حديثه وشرحه الطويل في كلامٍ واضحٍ لا يحتاج إلى تأويل ولا إلى بيان وتبيين ،  لكنّ غلالة الصمت لم تغادرني طيلة الزيارة ولم تساهم في معاونتي على المجاملة في استحضار طيف ابتسامة أطلّت إلى الوجود من عمق  الشرود في عالم الخيال الذي صحبتني إليه زهرة  البرتقال ؛ حتى إذا ألحّ عليّ البعض في السؤال  وفي طلب الكلام الفصال أبديت رأيي في وجوب الاستزادة من نضرة الأمل الواعي الساعي إلى تمثل السعادة والنشوة المستفادة من الإحساس بضرورة القوة والحزم وأولوية الإرادة والعزم في السعي نحو الصلاح ابتداءً بالذات فالأسرة فالمحيط ...

     كانت الكلمات تنساب من فمي هادئة رقراقة خالية من أي نوع من النزق والحماقة أو البعد عن اللباقة . مع أنني لم أبتعد أنا الآخر عن الشكوى وتحسس الألم والبلوى مع كلّ صورة تترنّح في بصيرتي لما نحسه جميعاً من ترهل في سلوك سبل تصحيح نشاطاتنا وفتور ويبابٍ في رياض توطيد علاقاتنا وتراخٍ في إعطاء الوطن حقه ...؛ لكن زهرة البرتقال كانت تسعفني في الحال لأغادر ما كان قد ذهب إليه الرجال من ندبٍ وجدال مصمماً على ضرورة الاعتراف بوجود المحبين المخلصين الذين لا بدّ أن يعطروا الحاضر بأريج الياسمين ليتركوا الأشواك وحيدة طريدة ويغرسوا الرياحين محولين الشكوى والأنين نشيداً فريدا ولحناً شجيّاً جميلاً مُجيدا...0

     تألّب الصحب عليّ  بين رافض ومعارض وبين مجادل ومفاوض ؛ وللحق فإنني كنت مدركاً تماماً أنّ الحياة فيها الأبيض والأسود وفيها ما لا يرجى منه خير وما نضرته تتجدد ؛ كنت مؤمناً دائماً - ومازلت – أنّ الحياة صراع بين الخير والشر في كلّ أرض وفي كل بحر ؛ وما زلت أدرك أن الشر أكثر لما في النفوس من نوازع لكنّ إرادة الخير أصلب وأكبر مادامت نابعة من صبرٍ وأناة وإيمان بقدسية النضال من أجل استمرار وتجدد الحياة رغم ما قد يتربص بنا من جاحدين ومن جناة ....

     لم يغادرني أريج زهرة البرتقال طيلة المجلس ؛ وكم كان ريحانها يمنحني ما أدين به لمن غرسها ورعاها من إحساسٍ بالجمال حملني على اعتياد التزام هدأة البال وسلاسة الوصال و التمسك بحسن الخصال. كنت أعلم تماماً أنني لم أتمكن بعد من التحرر من شغفي بها ؛ وأنّ ذلك ما دفعني بقوة إلى المسارعة نحو موردها كي أحمل من عطائها "زوادة" تكفيني بعض المؤونة وتصد عني بعض العطش في عالمنا الآخذ بالتصحر رغم شعارات  العولمة والديمقراطية وحقوق الإنسان والتحرر...0 كنت أتوقع منها أن تستقبلني بالمزيد من العطاء لكنني لم أجد إلا بعض ريحها الخبيء في ذاكرة الضياء ، ووجدت الغصن يشكو إلي اقتطافها واختطافها على يد أحد القراصنة الأنانيين الأشقياء ....*
                                                                                                                                          محمد حسام الدين دويدري

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.