واحة الأدب
مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//
.
.

أرقام

أرقام

http://www.husamdeen.jeeran.com//

http://www.husamdeen2.jeeran.com//

husamdeen@mail2syria.com

husamdeen@maktoob.com

husamdeen@hotmail.com

محمد حسام الدين دويدري

 جوّال  095278048

 

تُرى... هل كلّ الصباحات متشابهة؟، لاشكّ في أنه سؤال منفيٌّ حتى قبل أن يُطرَح، فمن منا لايجد في كلّ يوم جديد حفنة من الأحداث والمعطيات المختلفة عن تلك التي داهمته في الأيام الماضية، ومع ذلك فإنّ هذا السؤال ماينفكّ يلحّ علينا جميعاً في كلّ صبح ونحن نحاول تجميع خيوط الأمل المرسلة في الأفق مع أولى إشراقات شمس الصباح؛ ذلك لأنّ ثقافتنا الذهنية وتكويننا المعرفي والنفسي يفترضان أن نحلم دائماً بمستقبل أفضل نغرس فيه آمالنا وأحلامنا الملونة؛ متمنين أن لايكون اليوم مجرّد رقم عابر يمضي متسللاً من أعمارنا الذائبة في المجهول.

      لكنّ هذا العصر الذي اصطلح على تسميته بالعصر الرقمي بات يجاول أن يفرضَ علينا نمطاً قسرياً من السلوك الاستهلاكي المُسَطّح في عيش لاهث لاهب دائب الحركة تتسارع فيه الأرقام "المرمّزة" الدالّة  في مضامينها على معطياتٍ يريد فريق الأقوياء التفرّد في التحكم بإدارتها؛ ناشرين في الوجوه المشدوهة حفنات من الوعود المذهّبة  المعلّبة طالبين منهم أن يتابعوا عيش حياتهم الاستهلاكية لمدلولات تلك الأرقام بابتسامة عريضة مريضة ضائعة طائعة دون أن يثقلوا على رؤوسهم بالتفكير في نفسير الأرقام أو الدخول في متاهاتها. وهكذا وجدنا أنفسنا طائعين نمارس استهلاك المنتجات الرقمية المُبهِرة بِنَهَمٍ بعد أن دخلت خاصرة حياتنا المخدّرة مستنزفةً أعمارنا النازعة نحو التراخي دون أن نحسن تثميرها؛ فبات الواقع مهيئاً بشكل جيد لزمرة الأقوياء كي يفرضوا سطوة قوتهم العلمية والمادية والعسكرية علينا محاولين الهيمنة على كل مافي العالم وتحويل كلّ من في العالم إلى معطيات رقمية عليها أن تنتظم  طوعاً أو كرهاً في قواعد بياناتهم الاحتوائية الشرهة التي تحاول استيعاب كل مافي الوجود واستثماره لحساباتها...

     إنّ هذه الصورة التي تحاول حروفي أن ترسمها ليست صورة فَزِعَةً تستحثّ في النفوس رعباً قابعاً من الآتي، مع أنها تستشعر الألم المخدّر الكامن في أعماقنا ونحن على أبواب عبور رقم اصطلاحي هو في حدّ ذاته ليس أكثر من رمز رابط لمجموعة أرقام عَبَرَتْنا ربما دون أن نتساءل عن كُنه ما اكتنزنا فيها لأجيالنا القادمة من معطيات بذور الأمل، وهذا هو بالضبط سر ما أستشعره في ما تتصوره حروفي من ألم وأنا أراقب انهماكنا مع كل من في العالم في الاحتفال بعبور هذا الرقم الذي يمثّل في حقيقته في نفس كلّ منا ذوبان سنة من أعمارنا؛ طارحة في بصائرنا حفنة من التساؤلات حول مدى استحقاقنا للاحتفال بما أنجزناه فيها وحول ما كان علينا أن نفعله فيها كي نحسنَ استثنارها فلا يجتاخنا الأسى الذي اجتاح طرفة بن العبد إذ قال: "أرى العمر كنزاً ناقصاً كلّ ليلة - وما تنقص الأيام والدهر ينفدُ "...

     ومادمنا منحرطين شئنا أم أبينا في هذا العالم الرقمي الصاخب المشحون بالمعطيات؛ فلماذا لا نجتهد بجدٍّ وإخلاصٍ في أن لا نكون مجرد أرقام فيه؛ ولماذا لا نُكوِّن بأنفسنا ولأنفسنا قواعد معطياتتا التي تستوعب وتستثمر إرثنا الحضاري والمعرفي كي نتمكن من الدخول الفاعل في توجيه عجلة الحدث وبالتالي تطوير واقعنا والتخطيط لمستقبلنا ومستقبل أجيالنا وجعله قوياً بذاته قادراً على أن لا يبقى جرماً سابحاً في فلك الآخرين...؟!*

 

‏الخميس‏، 27‏ كانون الاول‏، 2007

 

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.