بين اللفحات والنفحات http://www.husamdeen.jeeran.com// http://www.husamdeen2.jeeran.com// "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك..."، ما أعذب وأطيب هذا النشيد الخالد الذي تلهج به الحناجر في مثل هذه الأيام من كل عام فترق له القلوب الساعية إلى الاغتسال من صدأ الأزمنة الصاخبة وهُباب الأمكنة اللاهبة. أكاد أسمعه يتردد هادراً في أعماقي وأنا هنا؛ حيث أنا؛ تفصلني المسافات والحدود واللوائح الإدارية؛ لتحول بيني وبين الطائفين بالبيت العتيق اللائذين بمهبط الوحي ومنبع النور؛ الذين جمعتهم إرادة واحدة على اختلاف أعراقهم وأجناسهم وانتماءاتهم الدموية والمكانية المفروضة والمفترضة، قدموا من شتى بقاع الأرض تاركين الحدود والقيود والخلافات الجانبية؛ ساعين إلى مغفرة الله ومرضاته، مؤكدين إيمانهم بالله الواحد الأحد خالق الوجود ومبدع كلّ مافيه، هاربين من لفحات الصراع التي تجتاح العالم المضطرم بالنَزعات والنزاعات؛ اللاهث وراء المادة والشهوات؛ ملتجئين إلى نفحات الحب ونور الإيمان وبلسم الصفاء؛ مثبتين للعالم بأسره زيغ النظرة الخاظئة التي تريد الدوائر الصهيونية والمتصهينة ترويجها عن الإسلام في غفلة منا إمعاناً في الإساءة إليه؛ مؤكدين أنّ الإسلام دين التوحيد والوحدة والمحبة والتراحم والعدل والعدالة. هاهو العربي مع الأعجمي في صف واحد واتجاه واحد؛ وكذلك الأبيض مع الأسود والكبير مع الصغير؛ والأمير مع الفقير، فالكل في رباط واحد وفي سعي واحد نحو هدف واحد؛ وفي مكان واحد؛ وفي إرادة واحدة...، وتلك هي العبادات في الإسلام، إنها ليست مجرد طقوس وحركات وقراءات؛ بل هي وكما عرَّفها الفقهاء: "تعبير عملي سلوكي عضوي عن قضايا عقيدية وقناعات عقلية وعزائم قلبية استجابة لما تتوق إليه النفس السليمة من النزوع إلى الخلاص من شرور الدنيا ومآسيها" بتطهير النفس من ضغوط النوازع والتصميم على السير في طريق الخير والطاعات التي تبني الحياة الدنيا المتوارثة الفانية وتؤسس لدار الآخرة الخالدة الباقية...، إنها محطات إيمانية يتزوَّد منها الإنسان في طريق حياته بما يعينه على الحفاظ على التوازن الذي يمكنه من تغليب دوافع الخير على نوازع الشر. إنها مواسم لمراجعة الذات وترميمها بمحبة الله ومحبة عباده. كثيراً ما أتذكر في مثل هذه الأيام المفكر الإسلامي الذي سبق عصره عبد الرحمن الكواكبي ومؤتمره الإسلامي الأول المفترض في مكة المكرّمة "أم القرى" حيث ربما أراد له أن يكون على نمط "هيئة للأمم المتحدة الإسلامية" التي تنظر في شؤون الدول الإسلامية وتحاول تقريب وجهات النظر بينها وحل الخلافات الطارئة بين نظمها الحاكمة؛ وذلك قبل أن تولد فكرة هيئة الأمم المتحدة ولا حتى عصبة الأمم، أو ربما أراده مؤتمراً إسلامياً يلتقي فيه ممثلون عن الدول الإسلامية لتدارس شؤون المسلمين وتوحيد كلمتهم في كل القضايا التي تهمهم وتخص حياتهم سواء أكانت فقهية أم حياتية أم سياسية ودولية؛ مما يساعدهم على توحيد صورتهم على اختلاف انتماءاتهم السياسية والمذهبية والمكانية. ومن هذا المنطلق ومع أنّ فكرة المفكّر الكواكبي بقيت حبراً على ورق؛ فإنّ موسم الحج يجب أنّ يمثل بالنسبة للمسلمين فرصة التقاء الحجيج من مختلف بقاع الأرض وأمصارها كي يعيدوا تصحيح وتنقية سلوكهم الإسلامي؛ ثم ينطلقوا من جديد عائدين إلى مواطنهم فيكون كلّ منهم بسلوكه الرحيم وخلقه القويم وقلبه السليم داعية إلى الخير والعمل الصالح وتصحح الصورة الخاظئة والمشوهة التي يتناقلها العالم أمام بصائرنا عن الإسلام والمسلمين ونحن لاهون لاهثون...!، وصحيح أنّ الإعلام المعادي هو الذي يقف وراء هذا التشويه بشكل مباشر؛ لكنّ هذا لا ينفي مسؤوليتنا في إفساح المجال له بتصرفاتنا اللامسؤولة واللاواعية وبالتالي إعانته على تشويهنا...، فمتى سنعي هذه الحقيقة ونتمكن من اغتنام نفحات هذه المواسم خير اغتنام عساها تقينا لفحات الشر وغدر اللئام....!* الخميس، 13 كانون الاول، 2007 محمد حسام الدين دويدري
![]()
![]()
.
.
الخميس, 13 ديسمبر, 2007

كلعام وانتم بخير
(0) تعليقات
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








