واحة الأدب
مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//
.
.

التنقيب عن الجمال

التنقيب عن الجمال

   http://www.husamdeen.jeeran.com//

http://www.husamdeen2.jeeran.com//

http://husamdeen.maktoobblog.com

husamdeen@maktoob.com

husamdeen@mail2syria.com

محمد حسام الدين دويدري

 جوّال  095278048

كثيراً ماتُلِحّ عليَّ الأسئلة الشرسة وأنا أنظر في وجوه العابرين إلى المتنزهات وصالات عروض الفنون الجميلة، لكنني في لحظةٍ ما شعرت بتلك الأسئلة تزداد عنفاً وشراسةً وأنا أقرأ مضمون خطابٍ صادر عن السيد وزير الدولة لشؤون المشاريع الحيوية يؤكد فيه على وجوب العمل بنص المادة /11/ من القانون رقم /55/ لعام 2004 والتي تقضي بتخصيص نسبة 2.5% من القيمة المالية للإكساء الخارجي لواجهات المباني والمشيدات الجديدة ذات النفع العام ، ومنها التعاونية السكنية، لتزيينها بالأعمال التشكيلية...، في تلك اللحظة عبرت ذاكرتي ملامح ما كنا قرأناه من مواد تضمنها "قانون النظافة وجماليات المدن" الذي صدر عام 2004 برقم /49/ والذي جعل المواطن بحسّه الوطني والإنساني وبثقافته ووعيه للجمال هو المعيار الحقيقي لتطبيق القانون...

     كلّ ذلك كان أيضاً وأنا أستعيد في ذاكرتي الكثير من المشاهد المزرية التي ماتزال تصفعنا كلّ يوم والتي أجدها تتنافى مع كلّ تلك المعايير والقوانين والأوامر الإدارية...، تذكرت ماشاهدته من تجمّع معيب لحاويات القمامة المتطفلة على أسوار جامع "عمر بن عبد العزيز"، وتذكرت الأرصفة الممتدّة على جانبي الطريق الواقع بين سور الحرم الجامعي من الجهة الغربية وبين الحزام الأخضر (بالقرب من كلية الهندسة الميكانيكية...، تلك الأرصفة التي تشابه إلى حدّ ما غيرها من الأرصفة سيئة التنفيذ المنتشرة هنا وهناك خاصة في الأحياء الشعبية وكأنّ من نفذها أنجز ماقبض ثمنه في غفلة أو تغافل من كوادر الإشراف الفني وكأنما لاعلاقة له بمهنته أو كأنه فاقد لأي نوع من إدراك الجمال...

     أجل...، ماتزال الأسئلة الشرسة تنبش في بصيرتي عن الإجابات المخجلة...، هل يحتاج تأكيد إحساس الإنسان بالجمال إلى مراسيم وقوانين وأوامر إدارية...؟، مادام الناس يألفون التنزّه والترويح عن النفس ويستمتعون بالنظر إلى المشاهد الجميلة؛ بل ويحسّنون بيئات بيوتهم؛ فلماذا إذاً يسكتون على المظاهر المؤذية التي تشوّه جمال مدينتهم ولايشيرون بأصابعهم القوية إلى مسببي تلك التشوّهات...؟، هل لأنهم هم أيضاً من يساهم بالتشويه برميهم النفايات هنا وهناك بلا ضابط ولا رادع...؟، فأين إذاً إحساسهم بالجمال الذي يدفعهم إلى تزيين بيوتهم وإلى ارتياد مواطن الجمال...؟، ألا يشكّل هذا الواقع مؤشراً لوجود خلل اجتماعي تربوي وأخلاقي يجدر بالدارسين استكشاف أسبابه الحقيقية...

      نحن لا ننكر أنّ الإنسان كائن حي يأكل ويشرب وله نشاطاته الحيوية التي من الطبيعي لابدّ أن تفرز الكثير من النفايات، لكنه - وكما قال علماء  الاجتماع – يتميز عن باقي المخلوقات والكائنات الحيّة بتلازم ثلاث صفات إن فقد إحداها اختلّت صفته الإنسانية وبالتالي خرج عن كونه إنساناً سوياً، وهذه الصفات المشتركة الوجود هي كما عرّفها علماء الاجتماع: "المعرفة (المنطق والحق)؛ ثم الأخلاق (الخير)؛ ثمّ الجمال. وهنذا يعني أنّ جميع الكائنات الحية تندفع بالقوة الغريزية إلى شؤونها الحيوية واحتياجاتها البيولوجية دون أن تدرك المعاني الموجودة في الحياة؛ أي أنها لاتتعلم كيف تكون حيواناً أو نباتاً وكيف تمارس أنشطتها، أما الإنسان فإنّ الله سبحانه وتعالى الذي استخلفه على الأرض لإعمارها قد جعله متميزاً عنها بإدراكه لمعاني الجمال في مسيره الحياة كي يكون أهلاً لقيادة مسيرتها وجعله ملزماً بأن يتعلم كيف يكون إنساناً...، وقد لفت انتباهي تعبير لأحد الباحثين في هذا المجال أطلت الوقوف عنده مستقرئاً متبصراً: "يظل تذوق الجمال كامنا في أغلب الافراد لأنّ الحضارة التي نعيشها الآن أحاطتهم بمناظر قبيحة كريهة خشنة حولتهم الى آلات".  وربما لم يخطئ صاحبنا الباحث بهذا الاستنباط لأنّ البيئة المشوّهة لابدّ أن تعكس تشوهاتها في صفحة النفس المطبوعة بالقدرة على التكيف والبيئة السليمة لابدّ وأن تنتج أفراداً سليمين، وهذا الاستنباط يلقي بثقل المهمة على الفعاليات التربوية والتثقيفية والإعلامية أولاً ثم الجهات الإدارية والحكومية ثانياً...

     وإذا كنا نتكلم بحرص وتحمّس شديدين على الاستعانة بالآخرين للتنقيب عن النفط والثروات الوطنية التي تثري وجودنا وتدعم اقتصادنا في زمن بات الأقتصاد فيه ركيزة هامة للقوّة؛ فإنّ التنقيب عن الجمال في نفوسنا يبدو لي أنه الثروة الأهم من كل الثروات لأنها هي التي تعطينا القدرة على تحسين واقعنا واستكشاف كل الثروات الأخرى بأنفسنا لا بأيدي الآخرين...

‏الخميس‏، 22‏ تشرين الثاني‏، 2007

 


سنابل الأمل
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.