واحة الأدب

مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//

يرقات بلا قيود وحياة بلا حدود

يرقات بلا قيود وحياة بلا حدود
محمد حسام الدين دويدري

 

سنونٌ طويلةٌ مضت وطيف تلك الشجرة المنتصبة في ركنٍ من أركان الحديقة مايزال يزور – بين لحظة وأخرى - ذاكرتي المتخمة بالصور الملوّنة وبظلالها المتفاوتة؛ لكنّ ذلك الطيف كان يحمل في كلّ زيارة  إيحاءً جديداً لقضايا متجددة؛ تنعكس في قرارة نفسي بأبعادها المثيرة للتفكّر. فشجرتنا تلك بلغت من العمر عتيّا ومع ذلك فإنها ما تزال تزهو بخضرتها المتفاخرة بإيوائها الحاني للعصافير التي اعتادت أن تلوذ بأغصانها؛ وتتباهى ببقائها منتصبة تصدّ عنهم الحرّ والقرّ شامخة صامدة في وجه الريح رغم ما تركته عاديات الزمان في جيدها الفتّان من غائر الحفر، كنت كثيراً ما أعجب لقدرتها على الصمود رغم قسوة ما يصارعها في هذا الوجود؛ خاصة حينما تكرر اقترابي وازداد تآلفي معها في حالة تشبه التصابي، لأدرك أنّ تلك الثقوب الكثيرة الصغيرة السوداء لم تكن سوى أنفاق سوء حفرتها فاستوطنتها يرقات انتشرت بلا ضابط ولا قيود في ذلك الوجود لتجعل حياتها رهينة فناء موعود...

هذا ظلٌّ من ظلالٍ كثيرةٍ ألقاها مشهد تلك الشجرة الباسقة في نفسي ونحن ندخل أجواء " الخريف" الذي ارتبط في ذاكرتنا بتساقط الأوراق القديمة تمهيداً لاستبدالها بأخرى جديدة أكقر نضارة وعطاءً في إطار التحضير لمواسم الزراعة والجهاد في انتظار الحصاد....

وهكذا وجدت نفسي أعقد مقارنة بين تلك الشجرة وبين هياكل مرافقنا وقطاعاتنا المبتكرة؛ داعياً العلي القدير أن يسبغ عليها نعمة الحصاد الوفير ويفتح لسدنتها سبل حسن التقدير التدبير فيهيئ لها الشفاء البراء من كلّ سوء وكلّ داء...

لعلّي لا أسرف ولا أتعسّف في التشبيه فتلك الأشجار التي ندعو لها جميعاً باستمرار النضرة والخضرة والعطاء المثمر باتت اليوم فعلاً بحاجة ماسّة إلى العناية والدراية والوقاية بعد أن كثر فيها العابثون بفعالهم المشينة وغرائزهم المهينة. فمنهم من أعمى الجهل بصيرته فأقعده الكسل وكبّله الفشل حتى طال به الأجل فأسرف في تقاعسه بلا ضمير يوقظه ولا خجل...؛ وراح – على قولة المثل "يغيّب شموس ويقبض فلوس بلا ذمة ولا ناموس". ومنهم من زاده الطمع في ما ليس من حقه عنجهية وغلظة فمات لديه الإحساس وراح يُعَقِّد أمور الناس طلباً للرشوة التي تشعل في صدره النَهَم والنشوة متذرّعا بالحاجة والفاقة بكل ما في نفسه الدنيئة من قسوة وحماقة...، ناهيك عن أولئك الذين التهم قلوبهم العفن فنسوا الأهل ونسوا الوطن ولم يحسبوا حساب موت ولا كفن؛ بل ظنّوا أنهم في دنياهم وغفلتهم مُخَلّدون؛ وراحوا ينصبون ويسلبون وينهبون مبتدعين الخطط في ارتياد المسارات الغلط، حتى إذا وجدوا في طريقهم سداً من المجدّين المخلصين ثارت ثائرتهم كالمجانين فراحوا يدبرون التدابير ويدبجون التقارير باتهام الكبير والصغير دون اكتراث برقابة دينية أو معايير...

لا ريب في أنّ هذه "الديدان البشرية" خطبها أعظم ، فهم لبني موطنهم أظلم، فتلك الأفعال خيانو للأمانة وهي أخبث من كلّ رجس ونتانة؛ بل وأخطر من أعلى مراتب الخيانة؛ لأنها تخرّب البنية وتميت الثقة والألفة ولأن تلك الأشجار التي غدت هرمة يجب أن تبقى تقاوم بخضرتها عنت السنين بنسغ العاملين الصابرين المخلصين  الذين ما يزالون يقاومون معها شرّ الأشرار وجهل الفجار في عتمة الليل وفي وضح النهار ملحين في بذل الجهود وعقد العهود بعطاء بلا حدود ...

لنتحد معاً في حماية تلك المرافق التي يجب أن تستبدل أوراقها الصفراء وتستعيد نشاطها وقوتها كي تبقى موئل الساعين...، فتلك الأشجار المقيمة هي جهد من عمل قبلنا كي نجمع الحصاد ، ولنقف في وجه من تسللوا كالدود في "القلف" محاولين أن يسدّّوا على من أخلصوا في العمل وهم في صمودهم سبل الأمل، ويحجبوا عن العيون الظامئة إلى النور سبل الضياء وهم بذلك يسعون بغفلتهم إلى هدم ما بنته الأيدي عبر السنين .

أما آن الآوان كي نعيد صياغة بناء منجزاتنا وصونها من أيدي العابثين عبر البحث عن الكفاءات من بين المخلصين المؤمنين بقدسية العمل وقدسية الوطن، وتهميش وإزاحة المفسدين بما يحملون من عناصر هدّامة لأن تلك المنجزات المتوارثة هي استمرار للحياة التي لابد أن تستمر بجهد المخلصين عطاءً ووفاءً ونقاءً وحياةً بلا حدود

 



أضف تعليقا

sham4me
29 اكتوبر, 2007 02:18 م
أتعجب .. وأتعجب ... سبحان من وهب ..

تدرجك في الموضوع غاية في الإتقان ..

إذ تجعل قارئك للوهلة الأولى يعتقد أنك ستبدأ الحديث عن جمال الطبيعة ..

ولكنك أسقطت بداية موفقة تحمل ذكرى لطيفة ..

لتعود بها بأسلوب مبتكر ٍ لقصة مأساوية أو واقع نعيشه للأسف ...

أحييك صديقي العزيز ... فنحن محظوظون لوجودك معنا ... وانضمام يراعك إلى مدوناتنا .......... التي لا أستطيع آسفة أن أضعها في بوتقة واحدة ...

ولكن يكفينا ولله الحمد .. شرفُ المحاولة ..

دمتَ طيباً ومتألقاً ......... مع محبتي الشامية .
husamdeen2 من سوريا
29 اكتوبر, 2007 05:32 م
أختي نور
شكراً على كلماتك الرقيقة ووصفك الذي آمل أن أستحقه
وأرجو أن أبقى عند حسن الظن
أدعو الله أن يقوي عزيمتك لتبفي نوراً على نور
أخوك / حسام