باب الحارة
http://www.husamdeen.jeeran.com//
http://www.husamdeen2.jeeran.com//
http://husamdeen.maktoobblog.com
محمد حسام الدين دويدري
مع انتهاء شهر رمضان المبارك انتهى عرض الحلقة الأخيرة من الجزء الثاني للمسلسل السوري "باب الحارة" في عدّة محطات تلفزيونية عربية؛ ثمّ راحت بعض تلك الأقنية تبثّ لقاءات حوارية مع المشاركين فيه لعلّ أبرزها كان ذلك الذي أجري مع أبرز شخصيات العمل: المخرج بسام الملا والفنانين عباس النوري وسامر المصري وبثّته قناة الشارقة الفضائية في أيام العيد، وقد أشارت المقابلات والحوارات والاتصالات الكثيرة التي تخللته؛ بل والآراء التي رصدت عبر شبكة الإنترنت؛ ا إلى مدى الإقبال والرضى الذي حاز عليه هذا العمل إذ اعتبر من أكثر الأعمال الدرامية التي قدمت في الآونة الأخيرة شعبيةً ورواجاً وأعلاها تميزاً؛ حتى أنّ كثيراً ممن رصدوا التفاعل مع مشاهده في العديد من الدول والأقطار العربية قالوا: إنّ الحركة في المدن كانت تبدو شبه متوقفة أثناء فترة العرض، والحقيقة فإنّ المسلسل كان متقن الصنعة في حواره وديكوره ونقلات لقطاته فقدم للمشاهد "ميلودراما" اجتماعية توثّق لمرحلة تاريخية من حياة المجتمع السوري وبالتحديد الدمشقي تميزت بنكهة فيها مافيها من القسوة والقوة والكبرياء بقدر ما فيها من الرقة والأصالة والتلاحم والتراحم والبساطة ...، وعلى الرغم من صياغة المسلسل في قالب أحداث درامية اجتماعية بسيطة تعكس حياة نماذج من الأسر الشامية إبان الاحنلال الفرنسي وما يربط تلك الأسر من قيم الفضيلة والتآلف وحب الوطن على خلفية أحداث سياسية وتاريخية ثورية عرفتها الحقبة التي تدور فيها الأحداث فإنّ المسلسل قد شدّ الانتباه بقوة غير مسبوقة...، على أنه لايمكن اعتبارة من المشاهد الوطنية التي تصور قصص النضال البطولي الذي خاضه الثوار ضد المستعمر في سبيل تحرير الأرض بل يبقى ضمن الإطار الاجتماعي المناسب لتلك الحقبة التي كان فيها الدور البارز للعقيد زعيم الحارة الذي كان يلعب الدور الأبرز في تنظيم العلاقات بين أسرها من جهة وبينهم وبين السلطات الحاكمة من جهة أخرى، ومع ذلك فإنّ الروح الوطنية كانت هي الوشاح الجميل الذي أكسب العمل قوته وتميزه بل وشعبيته أيضاً خاصة في المشهد الأخير الذي طرح مدى تلاحم أهل الوطن الواحد وعدم التعارض بين ولائهم الضيق لأسرهم ولحارتهم وولائهم الأكبر للوطن...
ولابدّ لهذا الإقبال الشديد على مشاهدة باب الحارة من أن يطرح على أرض الواقع مجموعة من التساؤلات الهامة عن سرّ انجذاب المشاهدين إليه وهن مدى وماهية التأثير الذي تركه في تفوسهم. هل هو الحنين إلى الماضي وسحر الأصالة والتراث والهروب من الواقع المضطرب الذي يعيشه الإنسان المعاصر...؟، أم هو الميل إلى صور الرجولة والكبرياء والقوة في ومن باتت فيه هذه الصور شاحبة...؟، أم هو الحنين إلى القيم الأصيلة والنخوة والإباء ...؟، أم هو مجرّد حب الاطلاع على حياة لم يعشها المشاهد بل سمع عنها وتخيلها عبر رشقات من الحكايا التي يحكيها المسنون...؟
لقد استطاع طاقم المسلسل طرح باقة من الشخصيات تحرّكت في تتابع أحداثه لتستثير فينا مشاعر الإيجاب والقبول أو الرفض والنفور، فشخصية أبي غالب مثلاً كانت مرفوضة تماماً بكل المقاييس وشخصية "الجاسوس" كانت تثير الرغبة بالانتقام وشخصية "أبي إبراهيم" كانت تثير الامتعاض. أما الشخصيات المحورية: أبو بشير وأبو عصام وأبو شهاب فكانت تمثل حالة الرجولة والعزة والانتماء الأصيل، ويبقى السؤال الأهم الذي يربط بين تلك المشاهد: لماذا باب الحارة...؟ وليس الحارة ذاتها...؟، وما الفارق بين الحارة الحديثة والحارة القديمة...؟.
ولابد أن ينبتدر الجواب السيريع إلى أذهاننا منبهاً بأنّ أهل الحارة كانوا في الماضي كأسرة واحدة يخاف كل منهم على مشاعر أخيه وجاره وعلى ماله وعرضه ولهذا كان باب الحارة بمثابة باب حام لهذه الأسرة يقيهم شرّ الدخلاء ويصد عنهم شرّ اللصوص والطامعين والأعداء...، أما اليوم فالحارة الحديثة المنفتحة على الحياة باتت تشكو الفوضى والاضطراب؛ ولم تعد تظللها أواصر التلاحم والتعاون، بل إنك لتجد كثيراً من الجيران في بناء واحد ويكاد كلّ منهم يجهل اسم من يجاوره. بل وعلى الرعم من سمة التحضر التي يحاول المجتمع المعاصر أن يتشح بها وما نعلم ونسمع عن القوانين الناظمة للعلاقات بين الشاغلين فإنّ كثيراً من الأبنية بلا أبواب تقيها بل تملؤها النفايات التي ربما ترشق من الشرفات أو ترمى على قارعة الطرقات بشكل دون حرج أو خجل يشكل الأذى ليس فقط للجوار بل لكلّ عابر مارّ...
فمادمنا قد أحببنا "باب الحارة" وما ساد بين شخوصه من قيم شدتنا؛ أليس حرياً بنا أن نحاول استعادة تلك القيم الأصيلة لتوظيفها بيننا في تحسين واقعنا السيء الذي أثبتنا أننا نرفضه بقوة...؟، وكيف السبيل إلى الارتقاء بأعمالنا الفنية إلى درجة نخرج بها عن مجرد تمضية الوقت لنجعلها وسيلة تثقيف وتغيير وحالة من محاولات تصحيح المسار...؟!
الخميس، 18 تشرين الاول، 2007















18 اكتوبر, 2007 06:53 م