موسم الوفاء
http://www.husamdeen.jeeran.com//
http://www.husamdeen2.jeeran.com//
http://husamdeen.maktoobblog.com
محمد حسام الدين دويدري
وهكذا يتابع الزمن دورته ناثراً مواسمه المختلفة بألوانها ونكهاتها بيننا في سُنّته المعتادة وسمته المرتادة التي أرادها الله أن تكون لنا باباً للأمل وينبوعاً مُذيباً لأكدار الملل. فبالأمس استقبلنا "رمضان" لنتفيّأ ظلاله مستريحين من صخب الحياة المادية مغتسلين من ذنوبنا وغفلتنا؛ ساعين فيه كي تكون أكثر نقاءً وأرفع نفساً وأسلم قلباً، وهانحن نودّعه من جديد ليدخل كسوابقه في سجلّ الذكريات مُفسحاً المجال ليوم الحصاد؛ يوم الفرح بالجائزة "عيد الفطر"؛ الذي نستقبله متذكرين قول الإمام عليٍّ كرّم الله وجهه: "إنما هو عيدٌ لمن قبل الله صيامه وقيامه"؛ حيث يفرح الصائمون الطائعون المتحلين بالأخلاق الإسلامية النقيّة السمحة بعودتهم إلى الطريق القويم بعد أن غسل كلٌّ منهم قلبه من الحقد والغلّ فعطّره بعطر المحبة، وطهّر نفسه من اللهاث والغفلة فأصبحت بصيرته أكثر صحوة وأعلى اتّقاداً؛ وبات يرى الواقع بعين متبصّرة تستكشف الحقائق وتدرس المتغيرات المحيطة لتُحفّز العقل على استنباط الحلول واكتشاف الأدواء.
فالعيد يوم استثنائي وليس ككل الأيام. طعمه مختلف ونكهته لابدّ أن تشعَّ منها أطياف الفرح وتنبعث منها نسائم الأمل مهما حاقت بأعمارنا النكبات والآلام. إنه يوم تُشحن فيه القلوب بالألق وتتعلم منه النفوس أنّ الحصاد لا يكون إلا بالجهد المخلص المبذول من إرادة واعية، فالعابد الطائع التائب المقبل على الله بإخلاص ونيّة صادقة في شهر المغفرة والرحمة يستحقّ أن يفرح بتحرره وخلاصه من لوثة الآثام التي ربما تكون قد طالته وهو غارق منهمك في ضوضاء الحياة ومما قد سلف من أدرانها من غِلّ وحسد وشُحٍّ وخيلاءٍ ورياء، ولهذا فإنّ أول مايفعله في صبيحة العيد هو الإفطار على التمر أو على شيء من الحلوى ثم يلبس أجمل ما لديه من الثياب لينطلق إلى المسجد مهللاً مكبّراً حامداً شاكراً في طريق تحف به الملائكة، وبعد صلاة العيد تبدأ رحلة المحبة والتلاقي؛ ليتبادل الناس التهاني بالعيد بابتساماتٍ مشرقة ووجوه طليقة مستبشرة وقلوب سمحٍة نابضة بالحبّ؛ متناسين خلافاتهم فإذا تلاقت الأيدي المخلصة "تحادّت الذنوب" أي تساقطت فغفر الله للمتحابين فيه، فكأنّ العيد موسم حقيقي للوفاء وللتصالح مع الذات أولاً ثمّ التصالح مع الأهل والجيران والأقارب والأحبة؛ وبذلك يغدو الاحتفال بالعيد في حدّ ذاته عبادة خالصة لوجه الله ينال بها المؤمن الأجر والثواب فيكون موسم العيد أيضاً موسم طاعة ومغفرة، فإذا استمرّ المسلم في تسامحه ومحبته على هذه الشاكلة كان عامه كله عيد وفرح ومغفرة. أما الأطفال فإنهم أكثر الفرحين بالعيد ومن واجبنا أن ندخل الفرح والسرور إلى قلوبهم وهذا من حقهم علينا ومن واجبنا تجاههم؛ على أن يكون ذلك مدروساً وموجهاً في الاتجاه الصحيح فلا نطلق العنان لهم فيظنوا أنّ العيد انفلات من كلّ الضوابط...، ولابأس في أن نذكّرهم بأمثالهم من الأطفال ممن لايجدون قوت يومهم لفقرهم أو يتمهم، ولابأس أن نشرح لهم شيئاً عن معنى الزكاة والصدقة والهدف من إدخال السرور على قلوب الآخرين...
ولعلّ أوّل من نتذكرهم في العيد هم إخوتنا الصامدين في كلّ شبر محتلّ وجريح من أرض العروبة والإسلام وما يعانون من هجرٍ وقهر وضنك وألم وحصار وصبر...، وأولئك الأطفال الذين باتوا يحلمون بالأمن والصدر الدافئ بعد أن استشهد ذووهم بطلقات غادرة أو الذين هدمت جرافات الاحتلال بيوتهم وتركتهم في العراء يعانون صمت ذوي القربى وطغيان الأعداء؛ يفترشون الأرض العراء ويلتحفون السماء ويحتضنون الخوف والجوع بانتظار موسم الأمطار وبرد الشتاء...، ونتذكر أيضاً أسرانا ومعتقلينا وهم يعانون مرارة الأسر في أيدي أعدائنا ويحلمون بالحرية...، بل ونتذكر شهداء أمتنا ممن قضوا دفاعاً عن الأرض والعرض والدين والكرامة...، ونتذكّر المقاومين المجاهدين الرابضين على الثغور في يوم العيد واضعين يداً على الزناد؛ ملوحين باليد الأخرى لأهلهيم وأبنائهم وأحبتهم عبر المسافات هاتفين "كل عام وأنتم بخير" فيردّ أولئك عليهم من بعيد: "كل عام وأنتم بنصر"...
هذا هو العيد موسم حب وعطاء وخير وبناء لا موسم لهو وفناء...
فكل عام وجميع العرب والمسلمين في محبة وإخاء ووفاء
الاربعاء، 10 تشرين الاول، 2007










أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية