ثقافة التطوّع
http://www.husamdeen.jeeran.com//
http://www.husamdeen2.jeeran.com//
http://husamdeen.maktoobblog.com
محمد حسام الدين دويدري
يكادُ رمضان يطوي سِجلاته ويحمل سلالَه مودّعا؛ً راحلاً عنا؛ بعد أن حَلّ بيننا ناشراً أنواره موسم خير وعطاءٍ وصدق وجزاء. لكنّ هذا لايعني أنَّ مساحةَ الأيام المتبقية من السنة خاليةٌ من الخير والعمل الصالح، حسبنا أننا في مدرسة رمضان قد أجرينا دورةً تدريبيةً على الإخلاص في فعل الخير والعمل الصادق الصالح البنّاء الذي لابدّ أن ينعكس على وجودنا الدنيوي بالرزق الحلال والنماء وعلى رصيدنا الذي ندخره ليوم الحساب في الآخرة كي ننال العفو والغفران والأمان في دار الرضوان. ويخطئ من يظنّ أنّ مقاصد البعد الديني في حياتنا قاصر على الآخرة فقط، لأنّ الحياة الدنيا ليست إلا معبراً نحو الآخرة فإن صَلُحَ العمل فيها سَلِمَ الطريق وحَسُنَ الخِتام، وهذا سرّ اعتبار العمل المخلص المُتقَن عبادةً ينال الإنسان عليها الأجر والثواب من رحمن الدنيا والآخرة ولو كان هذا العمل مأجوراً مادياً حينما يرعى العامل فيه حقوق الغير ويحتسب جهده المبذول بإخلاص عند الله. وإذا كان التشريع الإلهي ينظر بهذا المعيار إلى العمل المأجور؛ فإنّ الثواب يكون أعظم وأجزى في العمل التطوعي، ودليل ذلك جليٌّ في مواضعَ كثيرةٍ من الكتاب المجيد والسنّة المطهّرة؛ ومن ذلك قوله تعالى في الآية77 من سورة الحج "وأفعلو الخير لعلكم تفلحون "، وهذا يعني أنّ فعل الخير شرط للفلاح في الدارين الدنيا والآخرة، والخير يشمل كلّ أوجه العمل الصالح من بِرٍّ وإحسان وصدق وإتقان وحرص على مكارم الأخلاق وتقديم العون وإماطة الأذى عن الطريق والإحساس بالآخرين؛ بل علمتنا الأحاديث النبوية الشريفة أنّ إلقاء السلام صدقة والإمساك عن الشرّ صدقة وابتسامتك في وجه أخيك صدقة والكلمة الطيبة صدقة وأنّ من يَسَّرَ على مُعسِرٍ يَسَّرَ الله عليه في الدنيا والآخرة؛ فالله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه...
وإذا كان الاقتصاديون قد طرحوا مصطلح "التنمية المستدامة" كمنهاج عمل جادٍّ نحو مستقبل أفضل؛ فرأوا أنّ مجال الفعل الاقتصادي يتكوّن في مسارين فاعلين في صناعة التنمية هما القطاع العام والقطاع الخاص ويتفرع عنهما فرع رافد مشترك هو القطاع المشترك؛ فإنّ المجتمعات الحديثة قد اكتشفت أنّ دور القطاعين المذكورين لايمكن أنْ يكتمل نجاحه مالم يتم تفعيل دور القطاع الثالث "التطوّعي" وهو القطاع الذي أسست له ورعته الشرائع السماوية حرصاً على بناء المجتمع المتكافل المتضامن السليم، ولهذا فقد أقرَّ الدارسون للعلوم الاجتماعية بأنّ العمل التطوعي المنظم قادر على سَدّ جميع الثغرات التي لايمكن للقطاعين العام والخاص معالجتها. وعرّف هؤلاء الدارسون العمل التطوعي بأنه الجهد المنظم الذي يقوم به فرد أو أفراد في المجتمع بهدف تحقيق أعمال مشروعة دون فرض أو إلزام أو انتظار أجرٍ مادّي؛ سواء كان ذلك العمل بذلاً مادياً أو عينياً أو بدنياً أو فكرياً, والدافع إلى ذلك سلوك خلقي سامق في الرقي وهو في الحقيقة لوجه الله تعالى وابتغاء لمرضاته...، وهو أيضاً نبذ للتواكل واللامبالاة وإسهام من الفرد المتطوّع في تحمّل المسؤولية وبالتالي فهو تأصيل لحالة من التلاحم والتآلف والمحبة بين أفراد المجتمع الواحد وصولاً إلى تحقيق محصلة متكاملة من الأمن الاجتماعي بكل فروعه وعوامله ومقوماته...
وإذا كان العمل التطوعي قد بات في المجتمعات الحديثة من أهمّ مظاهر تقدم الأمم ورقيّها؛ فإنّ الإسلام قد عدّ العمل التطوّعي الصالح من شعب الإيمان ومن ذلك ماجاء في الحديث الشريف: "الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول لا اله إلا الله وأدناها إِماطة الأذى عن الطريق ". ومن هذا المنطلق أجد شعاع الأمل يشرق مستثمراً ماقد كسبناه في رمضان من ألق الإيمان؛ مستثيراً فينا الهمم كي نجعل ثقافة التطوّع منهجاً متجدداً يعيد رسم صورتنا وتصحيح واقعنا الذي باتت الأخطاء تنهش مراكبه الماخرة نحو المستقبل، فإنّ ثقافة التطوع من شأنها إذا ما غُرِسَتْ في تربة واقعنا أن تفعل الكثير و أن تهبنا القدرة على التغيير فهي تعزز الانتماء والمشاركة الاجتماعية في البناء الشامل وبالتالي فإنها تساهم في تنمية المهارات وتفجير الطاقات وسبر المواهب كما ترفع درجة الوعي لدى الأفراد بواقعهم ومتطلبات مجتمعهم وبالتالي تزيد من الحس الجماعي والشعور بالمسؤولية والمشاركة في صنع القرار الصائب؛ إضافة إلى تحفيز شعورهم بالحرية وإفساح المجال لهم للتعبير عن آرائهم البنّاءة والمشاركة في عملية البناء والتطوير...*
الخميس، 04 تشرين الاول، 2007












08 اكتوبر, 2007 01:47 ص